عبد الله بن أحمد النسفي
104
مدارك التنزيل وحقائق التأويل ( تفسير النسفي )
[ سورة الأعراف ( 7 ) : الآيات 128 إلى 130 ] قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ ( 128 ) قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ ( 129 ) وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَراتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ ( 130 ) عليهم قتل الأبناء ليعلموا أنّا على ما كنّا عليه من الغلبة والقهر ، وأنّهم مقهورون تحت أيدينا كما كانوا ، ولئلّا يتوهم العامة أنه هو المولود الذي تحدث المنجمون بذهاب ملكنا على يده فيثبّطهم ذلك عن طاعتنا ويدعوهم إلى اتّباعه . 128 - قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا قال لهم ذلك حين جزعوا من قول فرعون سنقتل أبناءهم ، تسلية لهم ووعدا بالنصر عليهم إِنَّ الْأَرْضَ اللام للعهد ، أي أرض مصر ، أو للجنس فيتناول أرض مصر تناولا أوليا لِلَّهِ يُورِثُها مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ فيه تمنيته إياهم أرض مصر وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ بشارة بأنّ الخاتمة المحمودة للمتقين منهم ومن القبط ، وأخليت هذه الجملة عن الواو لأنها جملة مستأنفة بخلاف قوله وقال الملأ لأنها معطوفة على ما سبقها من قوله قال الملأ من قوم فرعون . 129 - قالُوا أُوذِينا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنا وَمِنْ بَعْدِ ما جِئْتَنا يعنون قتل أبنائهم قبل مولد موسى إلى أن استنبئ وإعادته عليهم بعد ذلك ، وذلك اشتكاء من فرعون واستبطاء لوعد النصر قالَ عَسى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ تصريح بما رمز إليه من البشارة قبل وكشف عنه ، وهو إهلاك فرعون واستخلافهم بعده في أرض مصر فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ فيرى الكائن منكم من العمل حسنة وقبيحة ، وشكر النعمة وكفرانها ليجازيكم على حسب ما يوجد منكم ، وعن عمرو بن عبيد « 1 » أنه دخل على المنصور « 2 » قبل الخلافة وعلى مائدته رغيف أو رغيفان ، وطلب المنصور زيادة لعمرو فلم توجد فقرأ عمرو هذه الآية ، ثم دخل عليه بعد ما استخلف فذكر له ذلك وقال : قد بقي فينظر كيف تعملون . 130 - وَلَقَدْ أَخَذْنا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ سني القحط وهنّ سبع سنين ،
--> ( 1 ) عمرو بن عبيد بن باب التيمي بالولاء ، أبو عثمان البصري . شيخ المعتزلة في عصره ومفتيها ، وأحد الزهاد المشهورين ولد عام 80 ه ومات عام 144 ه ( الأعلام 5 / 81 ) . ( 2 ) المنصور : هو عبد اللّه بن محمد بن علي بن العباس ، أبو جعفر المنصور ثاني خلفاء بني العباس ولد عام 95 ه وتوفي عام 158 ( الأعلام 4 / 117 ) .